عبد السلام محمد
مستقبل رقصة " السيف في الغمد وبعض المال المنثور" في اليمن


بات الجميع مقتنعا أن التواجد الإيراني في اليمن عبر ميلشيات الحوثي هدفه السعودية وأمن الخليج، ورغم أن هذه القناعة سباقة لدى السعوديين أنفسهم قبل اليمنيين؛لكنهم تلاعبوا مع حرب اليمن وأهدروا الوقت والفرص، بل تَرَكُوا ملف اليمن ملعبا مفتوحا للقطريين والإماراتيين لتصفية الحسابات فيه.
كان السعوديون يعتقدون أن إطالة حرب اليمن فرصة لتحقيق مكاسب هامشية من بينها انتقال الحكم داخل المملكة بشكل آمن وإحداث تغييرات اجتماعية واقتصادية وفكرية كبيرة تتعدى الاصلاحات دون عراقيل، كما يمكنهم ترتيب بيئة اليمن بشكل يضمن نفوذا استراتيجيا لهم،وولاء كل المكونات بما فيهم الحوثيين.
لتحقيق تلك المصلحة الهامشية فرضت الرياض سياسة "لا انتصار ولا هزيمة" لحلفائها في اليمن طوال سبع سنوات من الحرب ، وتركت أبوظبي والدوحة تلعبان في اليمن من خلال دعم ميلشيات عززت الانقسام بين اليمنيين وخلقت تمردات وانقلابات جديدة صبت لصالح ايران وميلشياتها الحوثيين في اليمن .
كانت الدوحة وأبوظبي ضمن قوات التحالف العربي لاستعادة الشرعية ضد انقلاب الحوثيين في اليمن،فسلكت الرياض سلوكا تعتبره ذكاء منها لضرب المكونات اليمنية واضعاف ما تبقى من مؤسسات مدنية وعسكرية وتعزز الانفصال لتظهر على أنها المنقذ الوحيد والمقبول لدى اليمنيين،ولكن صب كل ذلك لصالح طهران.
هذه السياسة الخاطئة للسعودية نجم عنها نفوذ أكبر من المتوقع للامارات في اليمن أدى إلى منع الجيش من التسليح وعرقلة عودة الحكومة الى العاصمة عدن، وأدت تلك السياسة إلى اقصاء قطر من التحالف والتورط بحصارها فانتقمت هي بتقديم دعم اعلامي ولوجستي وصل الى حد تمويل شراء المسيرات للحوثيين.
الحديث عن اخفاقات السعودية في حرب اليمن يطول لأنه السبب الرئيسي في اخفاقات كل شركائها على الأرض، لكن الآن نضع كل ذلك خلف ظهورنا ونفكر في اجابة على سؤال، كيف يمكننا انقاذ ما يمكن انقاذه على الأرض لضمان أمن اليمن والمنطقة بالذات الخليج؟خاصة وأن نتائج أي مفاوضات ستصب في صالح إيران.
على السعودية أن تعرف أن لا وقت الآن لتجريب المجرب، فالاعتقاد السائد أن قوات الانتقالي وطارق صالح قادرتان على خلق توازنات وهمية في بيحان شبوة وجنوب مأرب وغرب تعز بعيدا عن التنسيق مع الشرعية ودون دعم القوات الحكومية؛سيكون ثمنه تمدد للحوثيين أكثر تحت شعار توحيد اليمن.
على السعودية إدراك أن المفاوضات مع إيران لا تحتاج لانتصارات وهمية في الإعلام، فكل التجارب السابقة أثبتت أن إيران وميلشياتها لا يأتون إلى طاولة المفاوضات إلا مرغمين تحت ضغط عسكري وهزائم ميدانية متتالية، ولذلك وجب عليها تجاوز عقدة النفوذ برقصة "السيف في الغمد مع قليل من المال ".
إن رقصة "السيف في الغمد" مع قليل من المال المنثور لم تعد تحقق للسعودية أي نفوذ في اليمن ؛ مالم توحد شتات الحكومة الشرعية وعلاج أخطائها في دعم وتمويل الميلشيات المناطقية والانفصالية والتحرك بجدية لتحقيق توازنات عسكرية ميدانية على الأرض، تمهيدا لدخول مفاوضات واقعية مع إيران.
المتابع لسياسة إيران الخارجية واتكائها على القوة الخشنة والفوضوية لتحقيق نفوذها، يدرك أن المفاوضات معها صعبة وخاسرة مقدما، مالم يكن هناك نقاط قوة على الأرض تعزز موقف المفاوض معها، ومن خلال ذلك فان المفاوضات السعودية الايرانية الحالية نتائجها محسومة لصالح الأخيرة مالم ترجح الكفة.
سيكون أي اتفاق سعودي ايراني في اليمن في ظل ضعف الرياض في ترجيح كفة التوازنات على الأرض، مخاطرة مؤقتة لا تتعدى اتفاق وهمي مقابل حماية الحدود من الحوثيين الذين سيصنعون ميلشيات حليفة لايران داخل الحدود السعودية .
وإذا كان كل ذلك لا يهم السعودية ، فلدى اليمنيين خيارات ضيقة أخرى .
ما هي خيارات اليمنيين المتبقية في حال وافقت السعودية على اتفاق مع إيران يؤمن لها حدودها مقابل خسارة نفوذها في اليمن لصالح إيران؟
تعتقد الرياض أن نفوذ أبوظبي في الجنوب والساحل الغربي يصب لصالحها، بينما هو الآخر نفوذ وهمي تأثير إيران فيه كبير ، ما يعني فقدان الحكومة الشمال والجنوب
أفضل الخيارات أمام الحكومة اليمنية حاليا أن لا تتعامل مع السعودية على أنها صاحبة المصلحة الأول في اليمن وتترك لها كامل التصرف في شأن اليمن، وأن تفتح معها نقاشات جدية عن مستقبل التحالف ومصيره وإذا هناك قابلية لتطوير وإصلاح الأخطاء يتبعه عمل جدي على الأرض، فسيكون هذا الخيار الأفضل.
في حال أن السعودية استمرت في تهميش الحكومة اليمنية وحجب معلومات نتائج المفاوضات مع إيران عنها، فعليها البحث عن شركاء اقليميين ودوليين آخرين لتقديم دعم لوجستي لترجيح الكفة على الأرض على كل المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
في حال فشلت الحكومة في خياري تصحيح التحالف مع السعودية أو البحث عن شركاء آخرين، عليها اعلان فشلها واستقالتها وترك الشعب اليمني يحدد خياراته على الأرض من خلال قواه الحية العسكرية والمدنية ، والتي دائما ما تظهر وتتشكل في مراحل حرجة بالذات عند الفراغ بعد الحروب أو بعد التدخلات .