فايننشال تايمز: هذه قصة “الحرب النفطية” بين السعودية وروسيا

تساءلت صحيفة “فايننشال تايمز” عن الكيفية التي هزت فيها ثمانية أيام أسواق النفط العالم. وقالت إن شجارا بين السعودية وروسيا قاد لنسخة نووية في حرب الأسعار.

وفي تقرير مشترك أعده مراسلوها في لندن ونيويورك قالوا إن وزير النفط السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان دعا مساء الخميس الماضي نظراءه في منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط (أوبك) إلى اجتماع أزمة في فندق بارك هيات بفيينا. وفي بداية ذلك اليوم أعلن كارتل النفط عن تخفيض إضافي لإنتاج النفط بـ 1.5 مليون برميل في اليوم وعلى مدى ثلاثة أشهر.

وجاء ذلك ردا على انهيار الطلب العالمي على النفط بسبب انتشار فيروس كورونا. ولكن المقترح واجه بعد ساعات مشكلة. فلم يقبل سوق النفط بالمقترح ولا روسيا الشريك لأوبك منذ 3 أعوام. وقال شخص على معرفة بالمفاوضات التي استمرت أسبوعا: “منذ البداية لم يرض الروس باللعبة”. وبعد محاولات الضغط على روسيا للموافقة على التخفيض الجديد جاء دور القرار. وقرر الأمير عبد العزيز وبدعم من أخيه ولي العهد محمد بن سلمان وبدعم زملائه في أوبك تغيير الخطة ووعدوا بتخفيض طويل الأمد. وحتى تمرر الخطة فيجب على روسيا الموافقة. وكان هذا بمثابة إنذار مع أن أحدا في موسكو والرياض لم يتكهن بما ستجلبه الأيام حيث انهار سوق النفط والذي كان يعاني أصلا من المشاكل.

قرر الأمير عبد العزيز وبدعم من أخيه ولي العهد محمد بن سلمان وبدعم زملائه في أوبك تغيير الخطة ووعدوا بتخفيض طويل الأمد

وتكشف المقابلات مع عدد من المسؤولين في أوبك والمستشارين الحكوميين والتجار ومدراء شركات الطاقة عن صورة لما حدث لقطاع النفط الذي كان في وضع مستقر وبات في انهيار واضح. فمنذ لقاء بارك هيات هبط سعر برنت للنفط الخام بنسبة 34% وراقبت شركات الطاقة والغاز الطبيعي مليارات الدولارات تمحى من أسعار الأسهم. وباتت الاقتصاديات المنتجة للطاقة تخشى من تداعيات الأزمة في وقت تتقاتل فيه روسيا والسعودية اللتان كانتا حليفين غير طبيعيين على حصص في السوق. وقال روجر ديوان المستشار في “أي أتش ماركيت” التي تراقب أوبك: “هذه نسخة نووية من حرب الأسعار وعندما يصبح تدمير الطلب بعيدا عن المقارنة أو الفهم”.

وتقول الصحيفة إن إكسون موبيل لم تكن تتوقع ما حدث والهدوء في أسواق النفط قبل الانفجار كان مثيرا للدهشة. ففي الوقت الذي كانت في أوبك تعقد لقاءها في فيينا يوم الخميس الماضي، دخل مدير شركة إكسون موبيل، دارين وودز، إلى السوق المالي في نيويورك لكي يبدأ يوم المستثمر السنوي لشركته. ولكن الحاضرين في غرفة الاجتماع لم يكونوا في مزاج المزاح عندما بدأ حديثه معهم بالتحية، ذلك أن رأسمال الشركة كان بعد ساعة من افتتاح السوق المالي عملياته وصل إلى 222 مليار دولار، أقل من نصف قيمته في الأيام التي كانت فيه أغلى شركة عامة.

ولكن وودز كان متفائلا بشأن التهديدات القادمة. وقال إن “السوق يعيش دورة كلاسيكية للبضاعة”. وكان سعر برميل برنت الخام 50 دولارا. وفكرت إكسون أنها قد تخفف من التوسع في مجال الزيت الصخري، رغم أن الشركات الأمريكية المتخصصة في الزيت الصخري تعهدت بتمويل الصناعة والتوسع فيها. وكان المنتجون الأمريكيون واثقين من دعم التحالف السعودي- الروسي الذي بدأ عام 2016 أسعار النفط الخام ويسمح بقطاعهم للازدهار. ومع ذلك كان بعض المستثمرين قلقين. ومع اقتراب اجتماع فيينا بدأ مدراء الصناديق المالية برسم سيناريوهات حول قطاع الزيت الصخري الذي كان يكافح من أجل دفع المستثمرين في ظل سعر 55 دولارا للبرميل وكيف سيتعاملون مع الوضع حالة قررت السعودية فتح صنبور النفط.

واشتم بعضهم رائحة المخاطر ولهذا بدأوا بالتحرك نحو الشركات النفطية الكبرى التي ستتأثر من انخفاض جديد لسعر النفط. وتساءل مدير صندوق تحوطي: “ماذا يحدث لو قررت أوبك التوقف عن تخفيض إنتاج النفط؟.. سيضرب قطاع الزيت الصخري”. ولكن روسيا ظلت على دعمها للاتفاق رغم قلقها من زيادة النفط المنتج من الزيت الصخري. ولكن قرار واشنطن فرض عقوبات الذراع التجاري لروسنفط المملوكة من الحكومة زادت من عداء روسيا للصناعة النفطية الأمريكية. وفي الخلفية كان إيغور سيخن، رئيس روسنفط والمقرب من فلاديمير بوتين والذي كان معارضا لتحالف أوبك+ وشعر شخصيا بالإهانة من العقوبات الجديدة. ومن هنا فقد قدم وباء فيروس كورونا فرصة لتوجيه ضربة.

لم يستمر لقاء الكارتل وحلفائه سوى 30 دقيقة حيث رفضت روسيا خفض الإنتاج

وقال عضو في وفد لأوبك: “لم يكن التحرك حول سوق النفط ولكن عن صراع الأنويات والتعادل”. وسافر وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى فيينا يوم الجمعة. وقال شخص كان حاضرا في المفاوضات: “يمكن الشعور بأن أمرا ما غير صحيح”. ولم تنجح جهود الوساطة بين روسيا والسعودية.  ولم يستمر لقاء الكارتل وحلفائه سوى 30 دقيقة حيث رفضت روسيا خفض الإنتاج. وقال نوفاك للدول الحليفة من غير الأعضاء في أوبك: “ليس لدي ما أعطيه”. ومع خروجه من الاجتماع في طريق عودته إلى موسكو قال للصحافيين إن  منتجي النفط لديهم مطلق الحرية في إنتاج ما يريدون من بداية نيسان (إبريل). وتعاملت القيادة السعودية مع تصريحاته  بأنها استفزاز وأعلنت مباشرة عن خطة لزيادة الإنتاج.

وقال عضو في وفد إلى أوبك: “كانت هذه هي مرحلة خارقة اقتضت إجراءات غير عادية”، مضيفا: “لو كانت الأسعار ستنخفض فقد كانت هناك حاجة لاستعادة بعض الخسائر“، ومن هنا بدأت حرب الأسعار. ففي يوم السبت، أطلقت السعودية الطلقة الأولى من حرب الأسعار. وأضافت شركة أرامكو إلى الحرب تخفيض الأسعار بثمانية دولارات. وأكبر تنزيلات ذهبت إلى دول شمال- شرق أوروبا والذي يعتبر من أهم الأسواق للمصدرين الروس. وقال شخص مطلع على المفاوضات: “عندما تتخذ القرار، فعليك متابعته والمضي به”. ومن هناك حضر التجار أنفسهم، وقال دوغ كينغ، مدير صندوق تحوطي، إنه عندما شاهد التنزيلات التي عرضتها المملكة علم أن “مذبحة” ستحصل في الأسواق.

وقال كينغ الذي يدير “أر سي أم إي ميرتشانت كوموديتي فاند”: “اعتقدت أن السعوديين أصبحوا مجانين. وهي محاولة لإغراق السوق”. ومن سنغافورة إلى لندن حضرت شركات مثل فيتول التي تعتبر أكبر شركة تبادل نفطي مستقلة في العالم موظفيها جاهزين مع افتتاح سوق نيويورك المالي. وأدت طلبات كبيرة إلى تخفيض سعر خام برنت بأقل من 30 سنتا إلى أقل من 35 دولارا للبرميل. وقامت إستراتيجية السعوديين على “تخفيض أسعار النفط بطريقة واسعة وسريعة” كما يقول بول هورسنيل، مدير شركة ستاندرد تشارتيتد، ويبدو أن الخطة نجحت، ففي صباح الإثنين، توقعت وكالة الطاقة العالمية، التي تعتبر أهم وكالة تتوقع أسعار النفط، أن الطلب على النفط سيتباطأ لأول مرة منذ عام 2009. وهو تذكير بأن السوق لا يواجه هزة بل مشكلة طلب. ولهذا هبطت أسعار الأسهم في الأسواق المالية في اللحظة التي فتحت فيها عملياتها. وانهارت أسعار أسهم كبرى شركات الطاقة الأوروبية فيما هبطت أسعار أسهم أرامكو لأقل مما كانت عليه عند طرحها في  كانون الأول (ديسمبر).

طلبت السعودية من أرامكو زيادة الإنتاج إلى 12.3 مليون برميل في اليوم أي بزيادة 2.6 مليون برميل في اليوم

وفي الجانب الآخر من الأطلنطي حاول مدراء الصناديق المالية البحث عن غطاء. وأخبر مؤسس أكبر صندوق تحوطي في مانهاتن موظفيه أن عليهم الحضور إلى مكاتبهم مع الساعة السادسة صباحا. وفي موسكو لم يكن هناك فزع كما هو الحال في الأسواق الغربية. وقال وزير المالية إن روسيا تستطيع تحمل وضع يكون فيه سعر برميل النفط ما بين 25-30 دولارا ولمدة 10 أعوام. وردت المملكة بضربة مزدوجة. ففي يوم الثلاثاء طلبت من أرامكو زيادة الإنتاج إلى 12.3 مليون برميل في اليوم أي بزيادة 2.6 مليون برميل في اليوم. وبعد يوم أصدرت بيانا عن زيادة الإنتاج إلى 13 مليون برميل في اليوم.

وقالت روسيا إنها تستطيع ضخ كميات كبيرة من النفط. وفي الوقت نفسه كان فيروس كورونا يعيث فسادا في العالم حيث فرضت إيطاليا حجرا شبه كامل على مدنها وطلبت الحكومات الأوروبية من  مواطنيها الوقاية وأغلقت المدارس، أما الرئيس دونالد ترامب فمنع السفر من أوروبا إلى أمريكا لمدة 30 يوما. وبدت توقعات وكالة الطاقة الدولية عادية، فالطلب في تزايد كما هو الإمداد مع تزايد الحرب. ومن كان يتساءل حول جدية السعودية وروسيا في الحرب حصل على الجواب.

ويواجه منتجو النفط من الزيت الصخري دمارا بعد نجاتهم من الحرب فيما بين 2015- 2016 من خلال تحسين الفعالية وقطع كلفة الإنتاج والتركيز على المناطق ذات الجدوى الاقتصادية. وحصلوا على دعم وول ستريت بقروض طويلة وشراء صكوك المنتجين والحصول على سندات. ولكن هذه الركائز ذهبت، ففي الوقت الذي بدأت فيه السعودية وروسيا باستعراض عضلاتها، بدأ قطاع الزيت الصخري بالتراجع في الوقت الذي أعلنت فيه شركات خططها لتخفيف الحفر وقطع الميزانيات. وفي ظل الأسعار فالإنفاق على القطاع قد ينخفض بنسبة 70% العام المقبل.

وربما انخفض الإنتاج بنسبة 2 مليون برميل في اليوم. وهناك إمكانية لظهور إفلاسات. وفي يوم الثلاثاء قالت فيكي هولاب، مديرة أوكسيندتال بتروليوم، عن تخفيض الأرباح بنسبة 90% وبعد أسبوع من قولها إن السخاء هو جوهر فلسفة شركتها. وكان هناك ضحايا آخرون، ففي يوم الخميس تراجعت أسهم بي بي البريطانية لأدنى معدلاتها منذ 24 عاما. وكذا إكسون التي تراجع قيمتها إلى 178 مليار دولار. وتقوم شركات الطاقة التي كانت متفائلة قبل أسبوع بالضغط على البيت الأبيض لمساعدتها. لكن الرئيس ترامب يبدو مسرورا حول انخفاض أسعار البنزين قبل الانتخابات.

 

متعلقات